الشيخ السبحاني

491

بحوث في الملل والنحل

لإطاعتهم بعضهم بعضاً ، بل كفر الأنبياء لإطاعتهم آباءهم وخضوعهم لهم ، وقد أوجب اللّه طاعة أوامر الأبوين ، وخفض جناح الذل لهما ، وقال لرسوله : « وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » « 1 » ، وأمر بتعزير « 2 » النبي وتوقيره ، وأمر بإِطاعة الزوجة لزوجها ، وأوجب إطاعة العبيد لمواليهم وسمّاهم عبيداً . « 3 » وقد عرفناك على أنّ العنصر المقوم لكون التعظيم عبادة ، هو الاعتقاد بألوهية المعظَّم له ، أو ربوبيته ، أو كونه مالكاً لمصير المعظّم ، وأنّ بيده عاجله وآجله ، ومنافعه ومضارّه ، ولا أقل مغفرته وشفاعته ، وأمّا إذا خلا التعظيم عن هذه العناصر ، وقام بالاحتفال بذكرى رجل ضحّى بنفسه ونفيسه من أجل استقلال أُمته وإخراجها عن نير الاستعباد ، وهيّأ لهم أسباب الاستقلال ، فلا يعد ذلك عبادة له ، وإن كان هناك احتفال أو احتفالات ، وأُلقي فيها عشرات القصائد والخطب فلا صلة لهذا بالعبادة . نعم يدور أمر كل ذلك بين الحلال والحرام ، وهل الشارع رخص ذلك أو لم يرخص ، وسيوافيك أنّ باذر هذه الشكوك ابن تيمية ، يرى أن الأصل في العادات عدم الحظر ، إلا ما حظره اللّه . « 4 » نعم ، الاحتفال بمولد النبي ليس من العادات ، ولا يقام بما أنه أمر عادي بل بما هو أمر قربي له أصل في الكتاب والسنة كما مرّ وسيأتي أيضاً .

--> ( 1 ) . الشعراء : 215 . ( 2 ) . إشارة إلى قوله سبحانه : « فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتّبعوه النور الّذي أُنزل معه » سورة الأعراف : الآية 157 . ( 3 ) . كشف الارتياب : 103 وللكلام صلة مفيدة جداً فمن أراد فليرجع إليه . ( 4 ) . المجموع من فتاوى ابن تيمية : 4 / 195 .